ابن الأثير

103

الكامل في التاريخ

حدث يشرب ، والقوم الذين عصيته في أمرهم ندماؤه ، ووزراؤه ، وكتّابه ، فكأنّي بهم حين يغلب عليه الشراب قد أزالوه عن رأيه . قال : فإنّي لجالس ، وعندي بنيّة لي ، والكانون بين يديّ ، ورقاق أشطره بكامخ ، وأسخنه ، وأطعم الصبيّة ، وآكل ، وإذا بوقع الحوافر ، فظننت أنّ الدنيا قد زلزلت لوقعها ، ولكثرة الضوضاء ، فقلت : هذا ما كنت أخافه . وإذا الباب قد فتح ، وإذا الخدم قد دخلوا ، وإذا الهادي في وسطهم على دابّته ، فلمّا رأيته وثبت ، فقبّلت يده ورجله ، وحافر دابّته ، فقال لي : يا أبا عبد اللَّه ! إنّي فكّرت في أمرك ، فقلت يسبق إلى وهمك « 1 » أنّني ، إذا شربت وحولي أعداؤك ، أزالوا حسن رأيي فيك ، فيقلقك ذلك ، فصرت إلى منزلك لأونسك ، وأعلمك أنّ ما كان عندي لك من الحقد قد زال ، فهات وأطعمني ممّا كنت تأكل لتعلم أنّي قد تحرّمت بطعامك ، فيزول خوفك . فأدنيت إليه من ذلك الرّقاق والكامخ ، فأكل ، ثمّ قال : هاتوا الزّلّة التي أزللتها لعبد اللَّه من مجلسي ، فأدخلت إليّ أربعمائة بغل موقرة دراهم وغيرها ، فقال : هذه لك ، فاستعن بها على أمرك ، واحفظ هذه البغال عندك لعلّي أحتاج إليها لبعض أسفاري ، ثمّ انصرف . قيل : وكان يعقوب بن داود يقول : ما لعربيّ ولا لعجميّ عندي ما لعليّ ابن عيسى بن ماهان ، فإنّه دخل إليّ الحبس ، وقال لي : أمرني أمير المؤمنين الهادي أن أضربك مائة سوط . فأقبل يضع السوط على يديّ ومنكبي يمسّني به مسّا إلى أن عدّ مائة سوط ، ثمّ خرج ، فقال له الهادي : ما صنعت به ؟ قال : صنعت الّذي أمرتني به ، وقد مات الرجل . فقال الهادي : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ، فضحتني ، واللَّه ، عند النّاس ، يقولون : قتل يعقوب بن

--> ( 1 ) . أمرك . P . C